أحمد ياسوف

199

دراسات فنيه في القرآن الكريم

منها ، والركون إلى الاتكاء على شواهده من غير نقدها أو الإضافة عليها . ولم تكن هذه الفكرة أي تجسيد الصوت للحركة غائبة عن أذهان الدارسين القدامى ، ففي وقفاتهم على قلتها ما يعدّ تمهيدا للمعاصرين ، إضافة إلى وجود هذه المقولة في معطيات النقد الغربي المعاصر ، وباستطاعتنا أن نؤكد استمداد المعاصرين لها من طبيعة اللغة العربية ، واعتمادهم على ما ذكره فقهاء اللغة ، وبعض دارسي الإعجاز البياني ، ودارسي الأوزان الصرفية ودلالاتها . ينقل جان برتيليمي عن كلوديل ما يعد لفته إلى وجود هذه الظاهرة في النقد الحديث : « إن الكلمة تعيد أداء الحركة التي هي دافع كل كائن ، بل هي الكائن نفسه ، وقد صوّره من ناحيته الصوتية الفموية ، هي الشيء بعد أن أصبح نغما » « 1 » . إذن ففي إمكاننا أن نشم رائحة المعنى ومعالم الصورة من الصوت ، وبهذا تبعد الكلمة عن كونها إشارة اعتباطية فقط ، ونستشهد لهذا بآيتين ، الأولى قوله عز وجل : وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ [ النحل : 14 ] ، والثانية قوله عز وجل : فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [ التوبة : 24 ] . فكلمة « مواخر » تذكرنا بصوت الماء وخريره وقد مرت السفن فيه ، فكأن الكلمة إلى جانب « خرير » انعكاس لأصوات الطبيعة ، ونجد تجسيم الحركة في حركة الشدة على الباء الحرف الشفوي القوي مما يصور شدة التربص والصبر الطويل . ويطيب لنا أن نورد كلام الزمخشري ما دمنا بصدد جمال الحركة متجليا في الصوت وإشارة القدامى إلى هذه المقولة ، وذلك في الآية الكريمة :

--> ( 1 ) بحث في علم الجمال ، برتيليمي ، ص 288 .